الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
366
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الوصية ولكنك كان المختار عندنا عدم إفادتها العموم وصفا قطعا ولا لزوما إذ مجرد التعليق لا يدل عليه نعم يعتبر تعلق الحكم على النكرة كون مناط الحكم مجرد الثبوت مفاد النكرة فثبت الحكم المعلق عليه بمجرد ثبوته فإن كان الحكم المعلق عليه مطلق الفعل كما في قولك إن جاءك رجل فأكرم عمرا أفاد ثبوت وجوب إكرام عمرو بمجرد مجيء أيّ رجل كان فيشير إلى العموم البدلي وإن كان مما يثبت لمصاديق المعلق عليه أو على ما يتعلق به نحو إن جاءك رجل فأكرمه وقوله تعالى إن جاءكم فاسق إلى آخره ثبوت الحكم لجميع مصاديق المعلق عليه فيشير إلى العموم الاستغراقي خامسها أن النكرة إذا وقعت في سياق الأمر أفادت العموم كما في أعتق رقبة فإنه يفيد الاجتزاء بعتق أي رقبة كان فيستفاد منه وجوب عتق رقبة ما والتخيير بين مصاديقه من الرقاب وليس استفادة العموم هنا من جهة وضعه له قطعا وإنما هو من جهة صدق فرد ما على كل من مصاديق الرقبة وقضاء الأمر بالاجتزاء فيرجع إلى العموم الاستغراقي في ثبوت الوجوب لكل منها على سبيل التخيير لكن يكون استغراقه إلى الأفراد الشائعة إذ لا يريد ذلك له على الإطلاق وإنما يرجع الإطلاق إلى العموم بملاحظة ما ذكرناه فيكون ذلك مدلولا التزاميا ويكون عمومه على حسب ما ينصرف الإطلاق إليه من القدر الجامع بين الأفراد حسبما مرت الإشارة إليه فما ذكره الرازي من أن النكرة إن وقعت في الخبر نحو جاءني رجل فلا يعم وإن وقعت في الأمر كأعتق رقبة عمه عند الأكثرين بدليل الخروج عن العهدة بإعتاق ما شاء فإن أراد به ما ذكرناه فلا كلام وإن أراد عمومه على حسب اللغة فلا وجه له وأما ما احتج له من الخروج عن العهدة بإعتاق ما شاء لا يدل عليه وأقصى الأمر فيه ما ذكرناه وفي معنى الأمر ما يفيده مفاده ولو كان بصورة الإخبار كما يجب في الظهار عتق رقبة ولا حاجة في إرجاعه حينئذ على العموم إلى ضم أصالة البراءة عن اعتبار قيد زائد إلى ذلك ليكون الإطلاق والأصل المذكور جمعا قاضيين بالاجتزاء بأي فرد من ذلك بل مجرد الإطلاق كاف في الدلالة عليه حسبما عرفت من التقرير المذكور كما هو الحال في سائر الإطلاقات والحاصل أن مدلول اللفظ كاف في إفادة ذلك وأصالة البراءة من الزائد أمر آخر وأما أصالة عدم التقييد فهو عين مفاد الأخذ بظاهر الإطلاق وليس أمرا ينضم إليه الظاهر فما ذكره بعض الأفاضل من أنه لو كانت مدخولة للأمر نحو أعتق رقبة فيفيد العموم على البدل لا الشمول وهذا العموم مستفاد من انضمام أصالة البراءة عن اعتبار قيد زائد من الإتيان وغيره فالإطلاق مع أصل البراءة يقتضيان كفاية ما صدق عليه الرقبة أي فرد يكون منه ليس على ما ينبغي ثم إن ما ذكرناه إنما يجري فيما إذا أريد بالنكرة النكرة المطلقة كما هو الظاهر منها وأما إذا أريد به المعينة في الواقع المبهمة عند المخاطب كما في الآية الشريفة على حسب ظاهر فهم اليهود يرجع إلى العموم أصلا ويكون مجملا إلا أنه خلاف الظاهر من إطلاق النكرة فهي إما مجاز فيه أو أنه خلاف ما ينصرف الإطلاق إليه وقد أشرنا إلى مثل ذلك في النكرة الواقعة في سياق النفي ونحوه وقد مر الكلام فيه عند بيان معنى النكرة سادسها أن النكرة في مقام الإثبات فإن كان في مقام فعل منه أو عليه في الماضي أو المستقبل نحو جاء رجل أو يجيء رجل أو ضربته بعصا أو أكرمه يوما فلا عموم فيه مطلقا وإنما يفيد ثبوت الحكم لفرد ما من غير الدلالة على الخصوصية المعينة أصلا لا ابتداء ولا إلزاما وإن كان في مقام إثبات حكم له فإن لم يكن المقام مقام البيان فلم يحكم بعمومه وإنما يفيد ثبوت الحكم لفرد ما على وجه الإجمال كما إذا قال أوجبت عليكم اليوم شيئا أو كلفكم بتكليف ونحو ذلك وإن ورد في مقام البيان وكان بيان ثبوت الحكم لفرد ما غير مفيد بحسب المقام والمفروض أنه لا إشارة إلى تعيين الفرد انصرف إلى العموم من جهة اقتضاء الحكمة به على ما مرت الإشارة إليه في المفرد المعرف ويكون المراد بالنكرة حينئذ هو مطلق الطبيعة المرسلة ويكون التنوين فيه لمحض التمكن على نحو أسد علي ويعم ثبوت الحكم للطبيعة لأفراده المتحدة بها كما في قولك رجل تبعا وحمل النكرة على ذلك وإن كان خلاف ما هو الظاهر منها إلا أن قرينة المقام حسبما ذكرنا قاضية بالحمل عليه ومن ذلك ما إذا وردت في مقام الامتنان ولم يحصل بإثبات الحكم لفرد ما منه على ما هو الظاهر من النكرة لا للطبيعة بالنسبة إلى بعض أفرادها كما في الآية الشريفة فيعم الظهور لجميع أفرادها الماء النازل من السماء وهذا هو المراد من قولهم أن النكرة الواقعة في مقام الامتنان يفيد العموم وأما إذا حصل الامتنان بثبوت فرد ما له كما في قولك قد أعطاك سمعا وبصرا وأتاك قوة وعلما وفضلا ونحو ذلك فلا دلالة فيه على العموم قطعا وكذا لو حصل ذلك بالحكم على الطبيعة في ضمن بعض الأفراد كما في قوله تعالى فِيهِما فاكِهَةٌ . . . وَرُمَّانٌ فإنه لا يدل على وجود أفراد الفواكه والنخل والرمان في الجنة بل إنما يفيد وجود هذه الأجناس فيه فالتنوين فيهما بحسب ظاهر المقام للتمكن لكن لا يفيد ثبوت الحكم لجميع أفراده لحصول الامتنان بثبوت تلك الأجناس فيها فما ذكره في الوافية كما ترى وكذا الحال في قوله وأنزلنا من السماء ماء طهورا فإنه لا تفيد إلا ثبوت المطهرية لما نزله عليهم من غير أن يفيد نزول جميع المياه عليهم أصلا وهو ظاهر فما ذكره فيها من الآية كما ترى سابعها أن ما ذكرناه في النكرة المنفية أو المنهي عنها هل يجري في الفعل المنفي نحو ما ضربت أو المنهي عنها نحو لا تضرب فتكون المادة المنفية أو المنهي عنها كالنكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي وجهان فالمحكي عن ظاهر العضدي أنه كذلك فيفيد العموم وقد يحتج عليه بوجوه أحدها أن المتبادر منها ذلك حسبما ادعي من التبادر في النكرة المصرحة من غير فرق ونحن نقول إن التبادر المدعى متجه إلا أنه من مقتضيات الإطلاق وليس دليلا على الوضع نظير ما مر في النكرة المصرحة فإن أريد بذلك قضاء الإطلاق به فمتجه وإن أريد بذلك إثبات الوضع فلا وقد مر تفصيل القول في ذلك في مبحث النهي ويجري ما ذكرناه في الفعل المنفي من غير فرق ثانيها أن الفعل نكرة باتفاق النحاة فيجري فيه حكمها وأنه يوصف به النكرة دون المعرفة وأورد على الأول بأن نجم الأئمة منع من كون الأفعال نكرات محتجا بأن التنكير كالتعريف من خواص الأسماء ومن عوارض الذات وفيه أنه إن أريد بذلك عدم اتصاف الأفعال بملاحظة تمام معناها بالتعريف والتنكير فهو كذلك لظهور كون معنى الفعل مركبا من المعنى الاسمي والحرفي ولا يوصف بهما الحروف فلا يصح اتصاف الملفق منه ومن غيره بهما وإن أريد عدم اتصافهما بملاحظة معناه التام بذلك فغير متجه إذ لا يمكن خلو المعنى التام عن أحد الوجهين أقصى الأمر عدم اندراج الأفعال في النكرة المصطلحة حيث إنه اصطلح المعرفة والنكرة في الألفاظ بملاحظة معناها المطابقي